السيد كمال الحيدري
16
التوحيد عند الشيخ ابن تيميه
ما يتميّز به الإنسان عن غيره ، فلو دخلنا بعملية مقارنة بين الإنسان والموجودات الأخرى لرأينا أنّ هناك عدداً من العناصر المشتركة بينهما ، كما أنّ هناك أمراً يميّز الإنسان عن بقيّة الموجودات . لو بدأنا بعنصر الجسميّة وأن الإنسان جسم من الأجسام ، لرأينا أنّ هذا ليس ممّا يختص بالإنسان ، بل هو عنصر مشترك بين جميع الموجودات الماديّة . فما من موجود مادّي إلَّا وله جسم ، وله طول وعرض وعمق ونحو ذلك . ولو لاحظنا في عمليّة المقارنة عنصر النموّ لرأيناه لا يختصّ بالإنسان وحده ، بل هو عنصر مشترك موجود في الحيوان والنبات أيضاً . كذا الحال لو انطلقنا من عنصر التحرّك الإرادي ، فيما يقال عن الإنسان - في المنطق - من أنّه جسم حسّاس متحرّك بالإرادة ، فإنّ هذا أيضاً لا يختصّ بالإنسان وحده بل الحيوانات هي الأخرى موجودات متحرّكة بتحرّك إراديّ ؛ لذلك راح المناطقة والفلاسفة يبحثون عمّا يميّز الإنسان عن غيره فيما وراء هذه العناصر المشتركة ، فاستقرّوا على النطق عندما ذكروا في حقيقة الإنسان أنّه حيوان ناطق . ومع اختلافهم في تحديد المراد من النطق ؛ أهو القابلية على التكلّم والحديث ، أم القابليّة على إدراك المفاهيم الكليّة ؟ بعبارة أخرى : أهو أمرٌ مرتبط بنطق الإنسان وتكلّمه اللساني ، أم بتعقّله وإدراكه ؟ بغضّ النظر عن هذا كلّه ، وسواء كان المراد هذا أو ذاك ، فقد اتّفقوا على أنّ ما يميّز الإنسانَ عن غيره من الموجودات - كالحجر والشجر والبقر والغنم والسماء والأرض - لا يتمثّل في عناصره الجسميّة أو النموّ أو الحركة الإراديّة ونحو ذلك ، وإنّما يكمن بتلك الحقيقة التي أطلقوا عليها خاصّة النُّطق . هذه الحقيقة التي تميِّز الإنسان عن غيره هي التي يعبَّر عنها بهويّة الإنسان